-->

بحث حول الشراكة الجزائرية الأوروبية

بحث حول الشراكة الجزائرية الأوروبية
     بعد أن واجه الاقتصاد الجزائري أزمات مختلفة كانت بداياتها الصعبة بعد الأزمة البترولية لسنة
    1986، تلتها أزمة المديونية التي خنقت كل مبادرات الخروج من الأزمة، وجدت الجزائر نفسها وجها لوجه مع أعتى المؤسسات النقدية و المالية ممثلة في صندوق النقد الدولي و توأمه البنك العالمي، و انتهت المفاوضات بتطبيق الجزائر لبرنامج التصحيح الهيكلي، حيث التزمت بتطبيق كل الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي لسنة 95،94 و استطاع الاقتصاد الجزائري بالتالي الخروج من فخ المديونية و الانسداد المالي، و استطاع أيضا رفع التحدي، ذلك أن الرهان آنذاك لم يكن فقط استعادة التوازنات المالية الكبرى الداخلية و الخارجية بل أن رهانات أخرى كانت تنتظره تمثلت أساسا في تأهيل المؤسسات الاقتصادية الوطنية حتى تصبح أكثر تنافسية، و ذلك باعتماد نظام الخوصصة بمختلف أشكاله، بالإضافة إلى تأهيل النظام المالي و المصرفي ذلك أن طبيعة المنهج الاقتصادي المتبع تحتم حركية و تناسقا و انسجاما بين مختلف هذه الأجهزة، لكن رغم ذلك تبقى مؤسساتنا الاقتصادية عاجزة عن مواكبة التطورات العالمية مما يعني تدني قدراتها التنافسية على كل الأصعدة، اللّهم إلاّ ذلك القطاع الوحيد الذي يكاد ينفرد بالأهمية في المجال التصديري ألا و هو قطاع المحروقات.

    نوايا الاستثمار في الجزائر قبل الاتفاقية
      كل المعطيات السابقة لا تعني أن نوايا الاستثمار الأجنبي في بلادنا لم تتحسن في إطار الشراكة الأجنبية، بل أن الفترة الممتدة من 93 إلى 2000 سجلت نتائج ابتدائية في هذا المجال، حيث بلغت المشاريع المصرح بها لدى وكالة ترقية و تدعيم الاستثمار سابقا (APSI) ما يساوي 397 مشروعا توزعت بين الفترة المذكورة سابقا.
    و كانت ستوفر ما يعادل 47300 منصب شغل و كان ذلك التحسن راجع للأسباب التالية :
    1/ - تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية خاصة في مجال التحكم في المديونية و التضخم.
    2/ - تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي و تطور التشريعات و تحسين مناخ الاستثمار.
    و تجدر الملاحظة إلى أن بين عامي 99 و 2000 قفز عدد المشاريع الخاصة بنوايا الشراكة من 60 مشروعا إلى 100 مشروع عام 2000 و بلغت قيمة الاستثمارات فيه 25127 مليون دج.

    و تذكر الإحصاءات أن مشاريع الشراكة في هذه الفترة أثبتت أن قطاع الصناعة كان الأكثر جاذبية بالنسبة للمستثمرين الأجانب، حيث بلغت نسبته إلى مجموع المشاريع 52% بكلفة إجمالية تعادل 53% من إجمالي كلفة المشاريع، حيث كان باستطاعة المؤسسات توفير ما يعادل 28550 منصب شغل. ثم يليه قطاع الخدمات، و الذي بلغت نسبته 19% من مجموع المشاريع المعتمدة، و بكلفة تعادل 29% من الكلفة الإجمالية و الذي كان باستطاعته توفير 5324 منصب شغل؛ يليه مباشرة قطاع البناء بنسبة 10% من إجمالي المشاريع المعتمدة بعدد مناصب شغل تعادل 6787 ،ولقد ذكرت الإحصاءات أن فترة 94-95 والتي وافقت انطلاق العمل بقانون الاستثمار تميزت بتدفق لرؤوس الأموال الأجنبية في شكل تصريحات لنوايا الاستثمار في الجزائر، ولقد هيمن على أغلب المشاريع فرنسا بـ 18 مشروعا بنسبة 23.07% من إجمالي المشاريع المصرح بها خلال هذه الفترة تليها إيطاليا بنسبة 16.66% ثم إسبانيا 12.82% و بلجيكا 9%، و مجموع المشاريع المسندة لهذه الدول كان 48 مشروعا من أصل 78 بنسبة 61.55% .
                  و نحن نعلم أن نظام العلاقات الدولية يفرض تنوع المستثمرين الأجانب في البلد المضيف، خاصة في إطار التنافسية الدولية، ولقد أفرزت المعطيات أن تسابقا دوليا على الاستثمار والشراكة في الجزائر ما بين 93-2000 مكن العديد من الدول من الهيمنة على مشاريع الشراكة، وعلى رأس هذه الدول نجد الجانب الأوروبي الذي بلغت نسبة مشاريع الشراكة معه 58.43% أي ما يعادل 232 مشروعا من مجموع المشاريع المصرح بها ما بين 13/11/93 إلى غاية 31/12/2000، بكلفة قدرها 37.7% من الكلفة الكلية لمجموع المشاريع و بمساهمة تقدر بـ65.6% من مناصب العمل المباشرة؛ و تجدر الملاحظة إلى أن السوق الجزائرية تهيمن عليها كل من فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، بنسبة تقدر بـ 39.04% من إجمالي المشاريع و المقدرة بـ155 مشروعا.
    هذه التنافسية تظهر أن المستثمرين الأوروبيين يمثلون أول شريك أجنبي مقارنة بالدول الأخرى.
    و لقد أوضحت التقارير الخاصة بوكالة ترقية و تدعيم الاستثمار أن المشاريع الاستثمارية في إطار الشراكة الأجنبية بينت مايلي :
    -      اتساع نوايا الشراكة من خلال العقود المبرمة بين الجزائر و الشركاء الأجانب و الناتجة عن تحسن الوضعية الاقتصادية من جراء التحكم في بعض المؤشرات الاقتصادية كاستقرار سعر الصرف وانخفاض معدل التضخم الذين ساهما في تحسين الوضع المالي للجزائر.
    -         معدلات إيجابية حققها القطاع الخاص في المجال الصناعي
    -      الاستقرار السياسي في مؤسسات الدولة، و تحسين صورة الجزائر من خلال طرح المزايا النسبية للاقتصاد الجزائري، و ذلك من خلال اللقاءات الدولية.

    لكن لابد من أن نشير إلى أنه على الرغم من التعدد و التنوع في المشاريع المصرح بها في إطار الشراكة فإن الطابع المميز لها لا يتعدى حدود " السلع الاستهلاكية" و في مقدمتها المنتجات الصيدلانية و بعض الخدمات الموجهة للمؤسسات و التي تعتبر في غالبيتها عمومية.
    وأذكر أن المعطيات التي ذكرناها سابقا و التي مصدرها وكالة ترقية و تدعيم الاستثمار كانت تعبر عن نوايا الشراكة التي تمثلت في مشاريع تقدم بها أصحابها إلى الوكالة.
    لكن ماذا تحقق من الشراكة الأجنبية في الجزائر على أرض الواقع؟
    تظهر الإحصاءات المقدمة في أحد تقارير صندوق النقد الدولي أن نوايا الاستثمار الأجنبي و التي تم التصريح بها خلال فترة التسعينات لم يتم تأكيدها إلاّ في سنة 1996 بصورة فعلية و هي السنة التي بدأت فيها عقود الشراكة تتم مع كبريات الشركات العالمية تتجه نحو التوسع. و أسباب ذلك راجعة إلى قضايا متعلقة بـ:
    -         استقرار المؤسسات السياسية و الاقتصادية
    -         استقرار القوانين التي تنظم عملية الاستثمار في حدّ ذاتها

    و لقد تجسد هذا الدخول الفعلي في الشراكة الأجنبية في دفع 225 مليون $ من طرف شركة        " أركو ARKO " الأمريكية التي وقعت عقد شراكة مع سوناطراك في 15 أفريل 1996 علما أن عقد النية تم توقيعه من طرف هذه الشركة في جويلية 1994. أعقبته مفاوضات دامت سنتين. و هو ما يعني أن الشراكة الأجنبية في الجزائر تواجه صعوبات تعيق الإسراع في عملية تنفيذها. هذا العقد تلته مجموعة هامة من العقود التي أبرمتها شركة سوناطراك مع الولايات المتحدة و أوروبا و آسيا، أما المشاريع خارج المحروقات فالنتائج التي توصلت إليها الوكالة تقول أن 26 مشروعا من بين 62 بدأ الاستغلال فيه بدرجة متطورة تجاوزت 40% ؛ 19 مشروعا مازال في طور الإنجاز، 5 مشاريع تم إلغاؤها تماما، 3 مشاريع متوقفة،       و 9 مشاريع لم تنطلق بعد.
    إن المشاريع التي مسها الاستقصاء تعود أساسا إلى دول أوروبا و الولايات المتحدة و هي كما يلي :
    فرنسا : 15 مشروعا كلفتها الإجمالية 3 مليار دينار جزائري
    إسبانيا : 10 مشاريع كلفتها الإجمالية 3 مليار دينار جزائري
    USA : 6 مشاريع كلفتها الإجمالية 6.8 مليار دينار جزائري
    إن المشاريع المستقصاة حققت 858 منصب شغل من أصل 1651.
     إذا كانت هذه هي المعطيات العامة حول الشراكة الأجنبية في الجزائر و التي لا توحي بالتفاؤل فماذا تريد الجزائر من توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروربي ؟
    ماهية الشراكة
    قبل الشروع في الحديث عن الاتفاق الابتدائي للشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي علينا أن نقدم تعريفا للشراكة، فالشراكة الأجنبية هي عقد أو اتفاق بين مشروعين أو أكثر قائم على التعاون فيما بين الشركاء، و يتعلق بنشاط إنتاجي أو خدمي أو تجاري، و على أساس ثابت و دائم و ملكية مشتركة، و هذا التعاون لا يقتصر فقط على مساهمة كل منهم في رأس المال و إنما أيضا المساهمة الفنية الخاصة بعملية الإنتاج و استخدام الاختراع و العلاقات التجارية و المعرفة التكنولوجية؛ والمساهمة كذلك في كافة العمليات و مراحل الإنتاج و التسويق، و بالطبع سوف يتقاسم الطرفان المنافع و الأرباح التي سوف تتحقق من هذا التعاون طبقا لمدى مساهمة كل منهما المالية و الفنية.

    اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي

     بعد أن وقع كل من اسرائيل و فلسطين و الأردن و تونس و المغرب و مصر اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي جاء دور الجزائر لتنهي مفاوضاتها - التي بدأت مع الاتحاد يوم 04 مارس 1997- بتوقيع عقد الشراكة . و قبل أن نبحث في المحتوى الاقتصادي لعقد الشراكة هذا علينا أن نذكر مجموعة من النقاط المساعدة و التي ستوضح الصورة أكثر: تضمن إعلان برشلونة لسنة 1995 مجموعة من المستجدات أبرزت الاستراتيجية الجديدة له اتجاه المنطقة المتوسطية. و التي تهدف أساسا إلى تعزيز موقعه التنافسي الدولي في المنطقة. و بالتالي فإن هذه الاستراتيجية تمحورت حول محورين أساسيين :
     المحور الأول : يخص التعاون المقترح في المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية.
     المحور الثاني : تفضيل الشراكة كوسيلة للتطبيق الميداني لهذا التعاون و ينص إعلان برشلونة على ضرورة بناء تدريجي لمنطقة تبادل حر بين الاتحاد الأوروبي و الدول المتوسطية الإثنا عشر الأخرى. و يظهر مما سبق أن هنالك نية معلنة إلى إيجاد ما يسمى بمنطقة رفاهية مشتركة كما يذكر " السيد عبد المجيد بوزيدي " - المستشار الاقتصادي السابق للرئيس زروال – تكون مبنية على النمو الاقتصادي و الاجتماعي الدائم و المتوازن. لكن هل حقيقة تفكر دول الاتحاد في إحداث هذا التوازن بينها و بين دول متوسطية قدراتها التنافسية جدّ ضعيفة مقارنة مع قدرات دول الاتحاد ؟
    و الحقيقة التي لا يمكن أن تخفى على أحد هو أن الاتحاد من خلال هذه الميكانيزمات إنما يبحث عن تحقيق مايلي :
    1/- مواجهة المنافسة الأمريكية و اليبانية لاكتساب أسواق دول متوسطية تتميز اقتصاداتها بالميزة الاستهلاكية
    2/- توسيع السوق الأوروربية بما يسمح بتصريف المنتجات الأوروبية إلى أسواق عالمية جديدة خاصة إذا كانت متوسطية و اقتصاداتها ضعيفة.

    و الشيء الذي يؤكد ذلك، هو أن أوروبا تنجز حاليا أحسن نتائجها التجارية مع دول جنوب المتوسط حيث حققت فائضا تجاريا سنة 98 مع هذه الدول قدر بـ 19 مليار دولار. و بالتالي فإن طموحات الاتحاد الأوروبي لا تقف عند هذا الحد فمن مصلحته أن ترفع القيود عن صادراته إلى الدول المتوسطية الأخرى ( و هذا الأمر متبادل أي أن يرفع قيوده عن صادرات هذه الدول هو أيضا ). لكن يقتصر الأمر على المنتجات الصناعية. مع إقصاء للمنتجات الزراعية و اليد العاملة. ( التي ماتزال تعاني من إجراءات يطبقها الاتحاد تجعلها أقل تحررية ).
    لكن ما هو واقع حقيقة هو أن الجزائر وقعت عقد الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ، و الاتفاق يمس أربعة مجالات تتفاوت من حيث أهمية كل منها : سياسية، اقتصادية، اجتماعية و ثقافية.
     و الشيء الذي يهمني كاقتصادي هو الجانب الاقتصادي فما هو محتوى هذا العقد في جانبه الاقتصادي ؟
    إحتوى الاتفاق على مجموعة من الآليات الاقتصادية التي تساهم في تحقيق تدريجي لمنطقة تبادل حر أورومتوسطية، و المتمثلة في حرية تدفق السلع و رؤوس الأموال و كذا المنافسة بالإضافة إلى التعاون الاقتصادي.
    و عند الحديث عن رفع الحماية فإن الاتفاق يعني رفعها كليا عن الاقتصاد الوطني من خلال الآليات التي تضع الإنتاج الجزائري في منافسة حقيقة.
                  لكن هذا لن يتم دفعة واحدة بل أن هنالك مرحلة تدريجية لتأهيل الإنتاج الوطني و رفع الحماية قدرت بحوالي 5 إلى 6 سنوات بعد التوقيع على الاتفاق، و من المفترض أن يصبح الاقتصاد الجزائري مطلق الحرية مع الاتحاد الأوروبي في حدود سنة 2009 أو 2010.
                  كذلك نص الاتفاق على جوانب دعم و تعاون مالية تضمن مايلي :
    -         إعادة تأهيل الوحدات الصناعية
    -         إصلاح المنظومة البنكية
    -         تكوين المسيرين
    إلا أن هذه الإجراءات لم تترجم في شكل معطيات مالية رقمية بل جاءت على عموميتها.
     و لقد لوحظ أن هذا الاتفاق بالإضافة إلى أنه لم يتضمن أي إجراء مالي ملموس و محدد رقميا فإنه نجد أيضا غياباً للالتزام المباشر و المحدد من قبل الاتحاد الأوروبي تجاه الجزائر في مجال التعاون الاقتصادي، يضاف إلى ذلك غياب اقتراحات ملموسة في مجال الاستثمار المباشر باستثناء قطاع الطاقة الذي حظي بالاهتمام الأوفر، و اكتفى الاتفاق بالإشارة إلى تشجيع أوروبي للمتعاملين الأوروبيين قصد الإقدام على الاستثمار في الجزائر.



    الانعكاسات الاقتصادية لاتفاق الشراكة بين الجزائر و الاتحاد الأوروبي :
    لا نريد أن نحكم مسبقا على تجربة لم تنطلق بعد لكننا من خلال بعض المعطيات التي ذكرناها كمقدمة لهذه المحاضرة يمكننا أن نتنبأ بما يلي :
    1/ على مستوى ميزانية الدولة :
    نظرا لكون الاتفاق يهتم و يركز على ضرورة رفع الحماية على المنتوج الوطني فهذا يعني إلغاء كليا للرسوم الجمركية و بالتالي فإن ميزانية الدولة ستتأثر من جراء هذا الإلغاء ذلك أن هذه الرسوم تعتبر عنصرا أساسيا فيها و لذا يجب تغطية هذا العجز بفرض رسوم داخلية، أو الرفع من الرسوم الموجودة أصلا أو انتهاج سياسة مالية متقشفة.

    2/ على مستوى التشغيل :
    إن غزو السلع الأوروبية ذات الجودة العالية و السعر المنخفض – نتيجة رفع الحماية – سيترتب عليه انخفاض في الطلب الكلي على المنتوج المحلي الأدنى جودة و الأرفع سعرا مما قد يتسبب في غلق مؤسسات اقتصادية عمومية و خاصة لا تستطيع الاستمرار طويلا في مواجهة المنتوج الأوروبي ،مما يعني تسريحا جديدا للعمال قد يكون أكثر رهبة من الذي عرفناه في فترة تطبيق برنامج FMI

    3/ على مستوى الميزان التجاري :
     قبل الاتفاق كنا بلدا مستوردا و بعد الاتفاق سيتأكد بل سيرسخ هذا المبدأ و بالتالي فإن وارداتنا ستعزز من العجز في ميزاننا التجاري ذلك أن المنتوج الوطني غير مرغوب فيه على مستوى الأسواق الخارجية. نظرا للمنافسة الرهيبة للمنتجات الأوروبية.

    إن التوقيع على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لم يتم من أجل إخراج الاقتصاد الجزائري من تخلفه، بل أن النوايا الحقيقة للاتحاد هي التوسيع و تحقيق الأهداف الأوروبية.
    ثم أن الاتحاد عندما فاوض ، فاوض باسم و بقدرة مجموعة من الدول ذات الاقتصاديات المتطورة ،و الدول التي انظمت إلى الاتفاق إنما فاوضت بمفردها، فمن المؤكد أن وضعها سيكون ضعيفا و أن قدرة المفاوضات الفردية ستكون حتما اضعف من قدرة المفاوضات التكتلية أو الجماعية الموحدة. نفس الشيء يقال عن الجزائر، فلقد فاوضت من وضع الضعيف المغلوب على أمره، ذلك أن المعطيات الاقتصادية العالمية أوحت إلى الجزائر بضرورة الإسراع في عقد اتفاقات مماثلة لكنها جاءت متأخرة نوعا ما، و حبذا لو أنها دخلت المفاوضات باسم الاتحاد المغاربي عندها كان يمكننا أن نتفاءل لمستقبل الشراكة مع الاتحاد. لكن و الوضع المخالف يطرح نفسه فإننا لا نستبشر به خيرا و سنشهد وضعا اقتصاديا أكثر تأزما، ذلك أننا لم نتهيأ لمواجهة مثل هذه الأوضاع.
               
    إن الاقتصاد الجزائري لا يمكن أن يصمد أمام الانعكاسات السلبية لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي إلاّ إذا استغل فترة التأهيل استغلالا عقلانيا، حيث يجب أن يعاد النظر في مجموعة من المعطيات نرى أنها تتمحور فيما يلي :

    1/- أولويات الاقتصاد الوطني : أي تحديد الحاجيات الحقيقية للاقتصاد الجزائري و التي تمكن من وضع الأصابع على القطاعات الأكثر حساسية لآثار الشراكة الأوروبية و النظر في كيفية تدعيمها أو إعادة تأهيلها حتى و إن استدعى الأمر المساعدة الأجنبية ذات الخبرة الواسعة في مجال تقييم المشاريع، فلنبقي و لنوسع ما كان قادرا على مواصلة النشاط و الوقوف أمام المنافسة القوية للمؤسسات الأوروبية، و لنغير نشاطات الباقي مما يتوافق مع معطيات السوق.

    2/- التفكير في مصير العمال المسرحين : ذلك أن التسريح لعدد منهم يعتبر حتمية تفرضها المعطيات الاقتصادية، فلم لا نفكر في مشاريع جديدة و تقنيات حديثة و ننشئ مؤسسات ذات طموحات قوية و قدرات تسييرية عالية ( لا يهم عمومية أم خاصة ) لامتصاص هؤلاء العمال المسرحون و الذين لديهم خبرة مهنية يمكن أن لا تضيع و تجنبنا أيضا تكاليف التكوين و إعادة التأهيل.

    3/- التنقيب عن مصادر تموين الاقتصاد بالتكنولوجيات الحديثة : ذلك أن الجودة تعني قدرات تسييرية جيدة لكنها تعكس أيضا مستوى متطورا من الآلة الإنتاجية، و بالتالي فاكتساب هذه التكنولوجيات سيعزز مركزنا التنافسي.

    4/- تكوين الكفاءات التسييرية : إن انهيار المؤسسة العمومية كان في أغلب الأحيان ناجما عن كفاءات تسييرية هشة، لذا علينا إرسال بعثات متخصصة للحصول على تكوين تسييري حديث سيغير نمط الإنتاج و النشاط الاقتصادي من جذوره.

    5/- رغم أن فترة التأهيل للاقتصاد الوطني قصيرة لكن هذا لا يمنع من سن بعض القوانين التنظيمية و التحفيزية للاستثمار المحلي و الأجنبي في الجزائر، ذلك أن غموض قوانيننا و تعقدها كان حجر عثرة أمام تفجير بعض المبادرات الاقتصادية الطموحة.
    6/- اعتماد أنظمة جبائية مرنة و أكثر تحفيزية حتى تكون مؤسساتنا المبادر الأول للتوسع في النشاط الاقتصادي، ذلك أن القوانين الجبائية في أغلب الأحيان ساهمت و بشكل مباشر في تنشيط العزيمة لدى العديد من المؤسسات، يضاف إلى ذلك الطرق التقليدية التي يسير بها الجهاز الجبائي و التي لا تتوافق مع المعايير الدولية، لذا لابد من إعادة النظر في الجهاز بحدّ ذاته.
    7/- تنمية الجهود التعاونية لتكامل و تعاون اقتصادي بين دول الاتحاد المغاربي لعلها تعيد حساباتها في عقود الشراكة التي أبرمتها بمفردها لتصاغ بشكل جماعي موحد و بقوة مفاوضات أكبر.


    الخاتمة:
    إن هذه الميكانيزمات و غيرها يمكنها أن تعزز جهاز المناعة لاقتصادنا حتى يكون أكثر صلابة أمام الانعكاسات و الآثار الناجمة عن توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي و من دون ذلك نؤكد و نقول أن الجزائر لم تعقد صفقة اقتصادية بتوقيعها على الاتفاق، بل أنها حجزت حفرة لدفن جزء هام من سيادتها الاقتصادية و أعني أن اقتصادنا سيعزز تبعيته للخارج في ظل اتفاق الشراكة بين الجزائر و الاتحاد الأوروبي .

                                                                                                       

    المراجع:
    - عبد اللطيف بن وارد، " مشروع الشراكة الأورومتوسطية و انعكاساتها على اقتصاديات دول الجنوب"، جريدة النبأ.
    - عبد المجيد بوزيدي، " اتفاق الشراكة الجزائر – الإتحاد الأوروبي : فرصة أم مغامرة ؟ ، جريدة الخبر الأسبوعي، العدد 155 من 18 إلى 24 فيفري 2002 .
    -   ص . حفيظ ، " الجزائر لم يكن لها خيار سوى التوقيع " ، جريدة الخبر الأسبوعي، العدد145 ، من 10 إلى 16 ديسمبر 2001.
    -كمال زايت ، " الجزائر توقع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ، جريدة الخبر الأسبوعي ، العدد 145 ، من 10 إلى 16 ديسمبر 2001.