-->

قانون الأحزاب في الدولة الاسلامية

قانون الأحزاب  في الدولة الاسلامية
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.
    إن صحة الفكر من صحة مصدره، وصدق التشريع من صدق مشرعه فلا بد أن يكون هناك مصدر صادق يصدر عنه  التشريع ولا بد أن يكون هناك محل ثابت يصدر له التشريع حتى يتم التساوق بين حكمة  المشِّرع وفطرة المشَّرع له ،
    إن الفكر الإنساني في مراحل تطوره قد انقسم إلى قسمين:
    قسم تولاه الإنسان بنفسه فأخذ يصور الوقائع على غير حقيقتها ويقدرها على خلاف قدرها فأخطأ في التقدير وأخطأ في العلاج فضلَّ وأضلَّ وما أكثر الضلالات والمضلِّين الذين نهجو بالانسانيه  نهجا جلبوا لها العناء والشقاء إشباعا لرغباتهم وإرضاء لنزواتهم وتحقيقا لمآربهم ومصالحهم الشخصية.
    فانحرفت الإنسانية عن مسارها الصحيح وكثر الطواغيت الذين  نصبوا أنفسهم مشرعين لهذا الإنسان من دون الله حتى وصل الإنسان إلى الدرك الأسفل من الضلالات والعمايات إلى حد انه عبد الجماد  وقدس الحيوان و أمعن في الأرض مستبيحا لنفسه استعباد البشر وتقتيلهم وها هي الإنسانية اليوم تعيش أسوأ عيش في ظل أسوء نظام .
    وقسم تنزل عليه التشريع من الخالق المدبر فآمن به واعتقده وجعله منهجا له في سلوكه في الحياة الدنيا ومبتغًا لسعادته في الآخرة ،وكان هذا التنزيل مصدرا للفكر الصحيح، ومصدرا للتشريع الصادق، فسعدت  الإنسانية بهذا وارتاحت واطمأنت له و أفرزت هذه العقيدة طرازا متميزا في العيش وبُني عليها مجتمعٌ ترسخت فيه القيم الحقيقية التي  جمعت جوانب حياة الإنسان :
    القيمة الروحية والقيمة الخلقية والقيمة الإنسانية والقيمة المادية، فكان نظاما متكاملا عالج مشاكل الفرد ومشاكل الجماعة ونظم للإنسان علاقاته:
    علاقته بربه بالعبادات، وعلاقته بنفسه بالمطعومات والملبوسات والأخلاق ،وعلاقته بغيره من  الناس بالمعاملات والعقوبات.


    ولما كان بناء المجتمع في الإسلام قائما على قاعدة صحيحة  يقينية ،ومنتظما بتشريع صادق منبثق عن عقيدة مقطوع بصحتها كان بناء هدا المجتمع يشكل كيانا متينا شامخا يتمثل في سلطان الإسلام  والحكم بما انزل الله.

    ولما كانت الدولة الإسلامية: دولة بشريةً، والخلافة: رئاسة عامة  للمسلمين في الدنيا؛ كان القائمون على هذا الأمر من البشر وليسو  معصومين عن الخطأ؛ كان لابد من مراقبتهم ومحاسبتهم والنصح لهم ولمعاونيهم.

    والحزبية هي التفاف جماعة من الناس حَزَبَهُم أمر فاجمعوا عليه إما  لجلب مصلحة أو لدرء مفسدة
    تربط بينهم روابط تبرز لهم تكتلهم  ويلتزمون بقيود معينة حتى لا ينفرط تكتلهم ويتبنون أفكار محددة
    توضح لهم الطريق وتحدد لهم الهدف .
    والحزبية أو المعارضة قديمة بقدم الدول والأنظمة ولكن الإسلام عندما  حدد شكل الحكم وحدد الصلاحيات وحصرها بيد الخليفة، جعل  الخلافة واحدة فقط لجميع المسلمين في الدنيا .وحصر الصلاحيات في  يد الخليفة من حيث أن له وحده حق تبني الأحكام الشرعية التي تصبح  بعد تبنيها قانونا يجب الالتزام به ومن حيث حصر رعاية الشؤون في  يده أيضا (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته.......)

    والخليفة هو القائد الفعلي للجيش فهذه وغيرها هي تبعات ملقاة على  كاهل الخليفة وأعباء موكولة في تنفيذها إليه وهو الذي يعين المعاونين  (الوزراء) دون أن يكون هناك توزيع حقائب وزارية كما يحصل اليوم.

    ثم أعطى الإسلام حق المراقبة والمحاسبة للمسلمين وحق إبداء الرأي لغير المسلمين فكانت الحزبية تقوم على أساس المحاسبة ،محاسبة الخليفة ومعاونيه في التزامهم بالمتبنى من الأحكام ومدى إحسان التطبيق والتنفيذ،يقول الرسول صلى الله عليه وسلم"كلكم راع   وكلكم مسؤول عن رعيته......."
    ومسؤولية الأمة هي مراقبة الحاكم  ومحاسبته وهذا حق لها وواجب عليها وقد تضافرت النصوص على  هذا حتى اصبح واضحا لدى جماعات المسلمين في كل عصور  الخلافة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ألغيت الخلافة  عن وجه الأرض.

    لا يوجد في الإسلام ما يسمى بالمعارضة فالأحزاب أحزاب محاسبة وليست أحزاب معارضة وإنما هي لإعادة الخليفة إلى جادة الصواب إذا انحرف.

    وإتقان الرعاية إذا أساء التطبيق وتقديم النصح إذا لزم ذلك.

    وبين أيدينا الآن كتاب(مشروع قانون الأحزاب في دولة الخلافة) لمؤلفه الأستاذ (زياد غزال) بني الكتاب على هيكلية المواد الدستورية الموجودة في كتاب مقدمة الدستور للعلامة الشيخ تقي الدين النبهاني ،التي تتعلق بالمحاسبة وإنشاء أحزاب بالإسلام مدعما بالأدلة والنصوص الشرعية وموضحا بوقائع تظهر فيها المحاسبة زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.

    ولم يأل الكاتب جهدا في الاستقراء والتقصي لما يتعلق بموضوع  الكتاب من النصوص الشرعية والاستئناس بآراء وشروحات بعض الفقهاء السابقين واستقراء الأحداث التي حصلت فيها المحاسبة سواء  صراحة أو استنباطا فالكتاب وان لم يكن جديدا في الكتابة عن  الأحزاب ولكنه فريد في نهجه لإبرازه كمشروع قانون للأحزاب  مدعما بالأدلة الشرعية ،فيظهر فيها ملكته الاجتهادية ولو في المسالة الواحدة.

    وانه لا حاجة لمقارنته كمشروع قانون بالقوانين الوضعية التي وضعت للتنظيمات الحزبية في بلاد المسلمين اليوم لوجود فوارق شاسعة بينه وبينها،فهي قوانين أملتها المصالح الشخصية،وقد تعرضت للتعديل والتبديل مرات عديدة جراء تجدد المصالح،ووضع القوانين في الإسلام مستنبطة من الأدلة الشرعية فلم يكن للمصلحة تأثير في وضعها وليست بحاجة إلى تبديل أو تعديل لثبات فطرة الإنسان التي تنبثق عنها الحاجات.

    ونظرا لان الموضوع قد ترد عليه بعض الاعتراضات والتساؤلات فان الكاتب استبق الأمور فأورد بعضا من تلك الاعتراضات وناقشها نقاشا فكريا ورد على التساؤلات التي افترض أنها تثار أو أثيرت بالفعل حول موضوعه ،وربط كل ذلك بالواقع الذي استوعب كل جوانبه.

    والكاتب اعتمد أمرين اثنين في توضيح نهجه في الكتاب :
    الأول: انه ابرز الواقع الحزبي والممارسات الحزبية ،
    والثاني:انه اعتمد على النصوص.

    فكان المشروع هذا عبارة عن أحكام شرعية تعالج واقعا معينا.
    بذلك يكون قد استوفى جوانب الموضوع وأبرزه كمسألة فقهية في ثوب جديد فالكتاب جدير بالقراءة وان يوضع موضع التطبيق ،للاستفادة منه لا سيما والناس يغوصون في وحل الحزبية القائمة اليوم في العالم الإسلامي مكبلين بقيود قوانين الأحزاب التي تفرضها الدول على شعوبها .

    والله نسأل أن يفيد منه ويثيب عليه إنه نعم المولى ونعم النصير.



    فتحي سليم                            

    محاسبة الحكام في دولة الخلافة


    (محاسبة الحكام من قبل المسلمين حق من حقوقهم وفرض كفاية عليهم ،ولغير المسلمين من أفراد الرعية الحق في إظهار الشكوى من ظلم الحكام أو إساءة تطبيق أحكام الإسلام عليهم.)*[1]
    لقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على محاسبة الحكام إن ظلموا أو اكلو الحقوق فقال:(سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله) [2]
    كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب ترغيبا "شديدا" في المحاسبة للحكام إن أساءوا تطبيق الشرع أو هضموا الحقوق وجعلها من افضل الجهاد حيث قال (افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) [3]
    والمحاسبة لا تتناقض مع السمع والطاعة للخليفة ،فالسمع والطاعة بالمعروف فرض على الأمة ،والمحاسبة عند ظلم الخليفة أو أعوانه فرض أيضا "
    فالخليفة يتمتع بسلطات واسعة قد يسيء استخدامها أو يقصر في واجباته أو يظلم ويهضم الحقوق ،وقد اخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك حيث قال:(...شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم) [4]
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي ولا يستنون بسنتي ) [5]
    والتاريخ الإسلامي فيه شواهد كثيرة على ظلم الحكام أو إساءتهم لتطبيق الشرع وهضم حقوق الرعية وتقصيرهم بواجباتهم تجاه الأمة ،
    فالخليفة وأعوانه بشر لهم شهوات متعددة إذا لم تضبط بتقوى الله أو بالمحاسبة المؤثرة من الأمة فانهم سوف يظلمون أو يتعسفون في حقوق الرعية لان شهوة السلطة ومتعتها توجد غفلة عند الحكام ،فلا بد من دوام التنبيه والجام شهوة السلطة بتقوى الله ومحاسبة الأمة المؤثرة.

    إن تقوى الله هي افضل رادع للخليفة وأعوانه ضد الظلم أو أي غش للرعية ،فنظرة الخليفة انه مسؤول عن رعيته وان الله سوف يسأله عنهم يوم القيامة ولا بد أن يعد العدة لهذا السؤال ويضع نصب عينيه قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وانتم تعلمون ).

    وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته) [6] وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة) [7]

    فخشية الله عز وجل وتقواه هي خير ضمانة لحسن تطبيق الإسلام وافضل رادع للظلم والتقصير ،إلا أن تقوى الله قد تتضاءل في نفس الخليفة وأعوانه فلا تستطيع نفوسهم أن تقاوم مفاتن السلطة واغراءاتها فعندها على الأمة أن تكون بالمرصاد تحاسب الخليفة وأعوانه ليرجعوا إلي صوابهم أو يمتنعوا عن ظلمهم فعندما يغيب الرادع الداخلي فلا بد من رادع خارجي ليشكل ضمانة أخرى ضد الظلم والانحراف فمحاسبة الأمة المؤثرة هي ضمانة أخرى ضد إساءة تطبيق الشرع أو الظلم وصمام الأمان لاستقامة الخليفة وأعوانه.

    مفهوم المحاسبة في دولة الخلافة


    هي: حق الأمة في المراقبة الدائمة للخليفة وأعوانه وانتقادهم والاستعداد لاستبدالهم أو استبدال بعضهم .

    الحق في الشريعة الإسلامية هو (اختصاص يقر به الشرع سلطة على شيء او اقتضاء أداء من آخر تحقيقا لمصلحة معينة) [8]
    فمقتضاه أن تنتفع به الأمة ومصدر هذا الاختصاص وسببه هو الشرع الذي يعطيها السلطة أي حرية التصرف وعلى هذا فان الشارع اقر للامة باختصاصها بمحاسبة الخليفة وأعوانه وأعطاها حرية التصرف بالمحاسبة ضمن ضوابطه لأنه هو الذي أضفى لاختصاصها الشرعية وبحصول إقرار الشارع لمحاسبتها للخليفة وأعوانه ثبتت لها السلطة أي حرية التصرف والشارع هو الذي أعطي السلطة وهو الذي يضبطها فالشارع لا يبيح الكذب ولا التجسس ولا تتبع العورات فمحاسبة الأمة للخليفة تخلو من كل محرم فالسب واللعن وإيذاء المؤمنين لا يقرها الشرع ويعاقب فاعلها فالمحاسبة في دولة الخلافة تعلم أن الظن اكذب الحديث ولا يجوز أن يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم .

    وخالية من اللمز والتنابز بالألقاب فالمحاسبة حق للامة ولكن هذا الحق هو شرعي فما اقره الشارع كان حقا" وما مالم  يقره كان باطلا".

    المراقبة الدائمة وليست المؤقتة لان الشرع فرض على الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل دائم فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم


    (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتاطرنه على الحق أطرا"أو لتقصرنه على الحق قصرا" أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم)1

    فهذا الحديث يدل على أن محاسبة الأمة للخليفة وأعوانه دائمة وليست مؤقتة لان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بشكل دائم وان الأمة يجب عليها أن تحبس الظالم على الحق وفي ذلك دلالة على دوام مراقبتها له للتأكد انه لم يظلم وإذا ظلم عملت على حبسه داخل حبس الحق لا يخرج منه.

    وانتقادهم :الانتقاد للخليفة وأعوانه هو التعليق على ما يصدر من الخليفة وأعوانه وهذا يدل عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة ثلاثا" قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم)2
    والتعليق على ما يصدر من الخليفة وأعوانه هو جزء من النصيحة وذلك أن النصيحة لائمة المسلمين تتضمن إرشادهم بما فيهم صلاح دينهم ودنياهم وإعانتهم على الحق.

    والتعليق على ما يصدر منهم قد يكون إيجابيا" وقد يكون سلبيا" وهو جزء من النصيحة لهم.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-رواه أبو داود وحسن الترمذي إسناده
    2- رواه مسلم.
    ولتاطرنه على الحق أطرا:لتعطفنه على الحق عطفا
    ولتقصرنه على الحق قصرا:لتحبسنه على الحق حبسا

    الاستعداد لاستبدالهم أو بعضهم:وذلك عندما يستحق الخليفة العزل أو أن أحد معاوني الخليفة اصبح وجوده في منصبه مظلمة يجب إزالتها ويكون الاستبدال من محكمة المظالم بذاتها أو برفع دعوى من الأمة إليها لتحكم باستبداله أو أن الخليفة اظهر الكفر البواح وحكمت محكمة المظالم بعزله ولم ينصاع لحكمها وبقي الكفر البواح ظاهرا " فان الأمة تحاسبه  بالقوة المادية حتى يستقيم على طريق الحق أو يتم استبداله.

    حكم المحاسبة في دولة الخلافة
    1-                            الندب
    وتكون فيما يجوز الاجتهاد فيه سواء كان ذلك في المسائل الشرعية أم المسائل الفنية مثل الزراعة والصناعة وأساليب التجارة وأساليب إدارة الدولة أو الأساليب الحربية.  قال الإمام النووي(ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا)1 ويكون أيضا في عدم مخالفة الخليفة فيما تبناه من أحكام شرعية سواء كان دستور أم قانونا للدولة.

    يقول الشوكاني(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما العمادان العظيمان من أعمدة الدين والركنان الكبيران من أركانه وهو مجمع على وجوبهم إجماعا
    من سابق هذه الأمة ولاحقها لا يعلم في ذلك خلاف...........
    وظهور كون الشيء منكرا"يحصل بكونه مخالفا" لكتاب الله أو لسنة رسوله

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-شرح مسلم 2/24


    أو لإجماع المسلمين)1 وهناك أمثلة كثيرة على ذلك سنذكرها عند الكلام عن المحاسبة في زمن الخلفاء الراشدين.

    2-     الوجوب

    ويكون عندما يخالف الخليفة أو أعوانه نصاً أو إجماعا أو ما تبناه من أحكام شرعيه أو فعل الخليفة أو أعوانه ما يكون وسيله إلى مخالفة نص أو إجماع أو ما تبناه من أحكام شرعيه ، يقول الماوردي (و أما ما اختلف في حظره أو إباحته فلا مدخل في إنكاره إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه و كان ذريعة إلى محظور متفق عليه)2.

    و المحاسبة هنا فرض لأنها من باب النهي عن المنكر . يقول الله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وقوله صلى الله عليه وسلم (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على لاحق أطرا أو لتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم ثم ليلعنكم كما لعنهم).





    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-                            السيل الجرار 4\586
    2-                            الأحكام السلطانية \315


    هدف المحاسبة في دولة الخلافة


    بذل النصيحة للخليفة وأعوانه
    قال الرسول صلى الله عليه وسلم(الدين النصيحة ثلاثاً قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم)

    والنصيحة لائمة المسلمين: ذلك بإعانتهم على الحق وطاعتهم في غير معصية وتقديم المشورة الصادقة،المشورة التي معها النية والجهد وتقويم اعوجاجهم بالمعروف وبأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر)1.
               
    وسيتضح مفهوم النصيحة لائمة المسلمين عند التعليق على الحوادث والأقوال التي حاسب الصحابة عليها الخلفاء الراشدين.

    المحاسبة زمن أبى بكر الصديق رضي الله عنه
    1-محاسبة أبي بكر على بعث جيش أسامة،عن أبى هريرة قال(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام،فلما نزل بذي خشب قبض النبي صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا بكر رد هؤلاء ،توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟فقال والذي لا اله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حللت لواءا عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-الشورى وممارساتها الإيمانية\143،عدنان النحوي .



    إلا الارتداد إلا قالوا :لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، لكن ندعهم حتى يلاقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام)1 ومن الجدير بالذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بإنفاذ جيش أسامة قبل وفاته صلى الله عليه وسلم .

    فأبو بكر كان يرى أن هنالك نصا يجب أن يلتزم به مهما كانت نتائج هذا الالتزام وهذا النص هو وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ،أما الصحابة فقد راو أن المصلحة هي بقاء الجيش فما فائدة بعث جيش إلى الروم والعرب ارتدت من حول عاصمة الدولة ولكن هذه المصلحة لم تكن لتعتبر أمام نص هو في نظر الخليفة قطعي الدلالة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنفاذ جيش أسامة.

    2-محاسبة فاطمة لآبي بكر في ميراث أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
    روى الإمام احمد في مسنده(لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبى بكر، أنت ورثت رسول الله أم أهله؟ فقال لا بل أهله،فقالت: فأين سهم رسول الله؟ فقال أبو بكر أني سمعت رسول الله يقول(إن الله عز وجل إذا أطعم نبيا طعمةً ثم قبضه جعله للذي يقوم بعده)فرأيت أن أرده على المسلمين فقالت: فأنت وما سمعت من رسول الله اعلم ).

    إن أبا بكر رضي الله عنه تقبل محاسبة فاطمة رضي الله عنها له وبين لها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مستثنى من حكم أن مال المتوفى لورثته بنص وقد ذكر لها النص.



    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-الاعتقاد للبيهقي\345
    3-جمع القران
    روى البخاري(أن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وكان ممن يكتب الوحي قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس واني أخشى أن يستمر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من  القران إلا أن يجمعوه واني لأرى أن تجمع القران ، فقال أبو بكر :فقلت لعمر كيف افعل شيئا"لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟فقال عمر هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ، رأيت الذي رأى عمر ، قال زيد بن ثابت :وعمر جالس لا يتكلم فقال أبو بكر: انك رجل شاب عاقل لا نتهمك وكنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القران فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان اثقل علي مما امرني به من جمع القران ،قلت كيف تفعلان  شيئا "لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله صدر أبى بكر وعمر)


    نلاحظ مما ذكر أن محاسبة عمر لأبى بكر كانت اقتراحا "لحل مشكلة عامة وهي تناقص عدد الحفاظ وهذا ربما يؤدي إلى نسيان القران أو جزء منه فاقترح عمر جمع القران ولم يكتفي بطرح الحل بل داوم على طرحه حتى تم تنفيذ الاقتراح.

    أما محاسبة زيد بن ثابت للخليفة ومعاونه فكانت إن هذا الفعل لم يفعله رسول الله وبقي يراجعهما أي يحاسبهما حتى شرح الله صدره.


    4-مقاتلة مانعي الزكاة
    (قال أبو هريرة رضي الله عنه (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم  واستخلف أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب قال عمر رضي الله عنه يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فمن قال لا اله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال أبو بكر: والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فان الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا"كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر والله ما هو الا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبى بكر للقتال فعرفت انه الحق)1

    المحاسبة هنا كانت على فعل كان يرى عمر رضي الله عنه انه يخالف النص إلا أن أبا بكر رضي الله عنه بين الإشكال الحاصل وأعطى رأيه المبني على اجتهاده.


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-  رواه البخاري

    المحاسبة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    1-توزيع مال الكعبة

    روى البخاري عن أبى وائل قال:(جلست إلى شيبة في هذا المسجد ،قال جلس إلي عمر في مجلسك هذا فقال:لقد هممت أن لا ادع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين ،قلت :ما أنت بفاعل قال: لم؟ قلت :لم يفعله صاحباك قال :هما المرآن يقتدى بهما).

    فشيبة حاسب الخليفة على مسالة قبل وقوعها فهو قام بمحاولة تدارك خطا الخليفة حسب ظنه قبل وقوعه وليس أثناء الفعل أو بعده

    2- قسمة الأراضي المفتوحة على الغانمين
    روى نافع مولى ابن عمر قال(أصاب الناس فتحا"بالشام فيهم بلال أظنه ذكر معاذ بن جبل فكتبوا إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قسمته كما صنع رسول الله بخيبر فأبى وأبوا فدعا عليهم فقال اللهم اكفني بلالا" واصحاب بلال)1.

    المحاسبة هنا جماعية واستمرت دون اقتناعهم برأي الخليفة (فأبى وأبوا).
    روى البيهقي في سننه( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه افتتح الشام و قام إليه بلال فقال لتقسمنها أو لنتضاربن عليها بالسيف فقال عمر رضي الله عنه لولا أنى اترك يعني الناس بيانا لا شيء لهم ما فتحت قرية إلا قسمتها سهمانا

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- رواه البيهقي في سننه رقم \18764 وإسناده صحيح .

    كما قسم رسول الله خيبر ولكن اتركها لمن بعدهم جرية يقسمونها)1.

    في هذا الأثر هدد بلال الخليفة باستخدام الوسائل المادية أثناء المحاسبة ولكن الخليفة لم يرجع عن رأيه وبلال رضي الله عنه لم يقم باستخدام الوسائل المادية لعلمه أن ذلك محرم ولا يجوز فالمحاسبة بقيت سلمية رغم التهديد باستخدام السلاح .
    3- عزل خالد بن الوليد عن قيادة الجيش

    روى الإمام احمد عن عمر رضي الله عنه قال (أنى اعتذر إليكم من خالد بن الوليد أنى أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا الباس وذا الشرف وذا اللسانة فنزعته وأمرت أبا عبيده بن الجراح فقال أبو عمر بن حفص بن المغيرة :والله ما أعذرت يا عمر بن الخطاب لقد نزعت عاملا "استعمله رسول الله وغمدت سيفا سله رسول الله ولقد قطعت الرحم وحسدت ابن العم فقال عمر بن الخطاب انك قريب القرابة حديث السن معصب من ابن عمك )2

    تم محاسبة الخليفة على عزل أحد قادة الجيش وان هذا القائد لا يستحق العزل كما نلاحظ إن المحاسبة هنا اتسمت بالحدة ولكنها لم تؤثر على السمع والطاعة للخليفة من قبل المحاسب .
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- بسند صحيح.
    2- بسند صحيح.

    4- قتل الهرمزان

    عن انس بن مالك قال حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر رضي الله تعالى عنه ،فقدمت به على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما انتهيا إليه قال له عمر رضي الله عنه :تكلم قال:كلام حي أو كلام ميت
    قال :تكلم لا باس
    قال:انا وإياكم معاشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم كنا نتعبدكم ونقتلكم ونغصبكم فلما كان الله معكم لم يكن لنا يدان

    فقال عمر رضي الله عنه ما تقول
    فقلت: يا أمير المؤمنين تركت بعدي عدوا كثيرا وشوكة شديدة ،فان قتلته يياس القوم من الحياة ويكون اشد لشوكتهم فقال عمر رضي الله تعالى عنه استحيي قاتل البراء بن مالك ومجزاة بن ثور فلما خشيت أن يقتله .
    قلت: ليس إلى قتله سبيل قد قلت له: تكلم لا باس فقال عمر رضي الله عنه :ارتشيت و أصبت منه .

    فقال : والله ما ارتشيت ولا أصبت منه.
           قال لتأتيني على ما شهدت به بغيرك أو لابدأن بعقوبتك قال فخرجت فلقيت الزبير بن العوام رضي الله عنه فشهد معي وامسك عمر رضي الله عنه واسلم يعني الهرمزان وفرض له)1.

    في هذا الأثر الزم انس بن مالك الخليفة بعدم قتل الهرمزان لانه وعده بذلك وحاسبه على وعده وانه لا سبيل له بقتل الهرمزان بناء على وعد الخليفة حتى لو لم يكن عمر رضي الله عنه يقصد وعده بالأمان إنما الزمه بدلالة قوله.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-رواه البيهقي في سننه.

    5- طاعون عمواس

    روى البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيده بن الجراح واصحابه فاخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام  قال:إبن عباس فقال عمر ادع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم واخبرهم أن الوباء وقع بالشام فاختلفوا فقال بعضهم قد خرجنا لامر ولا نرى أن نرجع عنه وقال بعضهم معك بقية الناس واصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال ارتفعوا عني ثم قال ادعوا لي الأنصار فدعوهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني ثم قال ادعوا لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر بالناس اني مصبح على ظهر فاصبحوا عليه قال أبو عبيدة بن الجراح : افرارا من قدر الله فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ،أريت إن كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وان رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ،فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجاته فقال: إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وانتم بها فلا تخرجوا فرارا منه قال فحمد الله عمر ثم انصرف.

    6- النهي عن التطيب بعد رمي الجمرة قبل طواف الإفاضة

    قال سالم  مولى عبد الله بن عمر قالت عائشة( كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم بعدما يرمي الجمرة قبل أن يفيض من البيت) فقال سالم( فسنة رسول الله أحق أن نأخذ بها من قول عمر)1.
               
    7- محاسبة أحد أعوان الخليفة عمر بن الخطاب

    (إن معاوية بن أبى سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدر داء :سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا"بمثل فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا باسا" ،فقال أبو الدرداء :من يعذرني في معاوية ، انا اخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه ؟ لا اساكنك بأرض آنت بها ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له ، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبيع ذلك إلا مثلا بمثل ووزنا" بوزن)2.


    روى البخاري أن عيينة بن حصن دخل على عمر بن الخطاب وقال له (هي يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به فقال له الحر:يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ( خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين )
    وان هذا من الجاهلين والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافا " عند كتاب الله).


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- مسند الإمام احمد بإسناد صحيح.
    2- الموطا2\643.



    هنا حاول الصحابي منع الخليفة من فعل خلاف الأولي قبل وقوع الفعل مع النقد للفعل المزمع فعله ومع بيان التصرف الصواب أي الحل البديل.

    زمن عثمان رضي الله عنه

    1- روى الإمام احمد عن محمد بن علي بن أبى طالب (جاء إلى علي رضي الله عنه ناس من الناس فشكوا سعاة عثمان قال : فقال لي أبي اذهب بهذا
    الكتاب إلى عثمان فقل له : أن الناس قد شكوا سعاتك وهذا أمر رسول الله في الصدقة فمرهم فليأخذوا به قال فأتيت عثمان فذكرت ذلك له).

    في هذا الأثر تمت المحاسبة مع تقديم البديل الصواب في أمر الصدقة بعد بيان خطا سعاة عثمان رضي الله عنه في اخذ الصدقة.

    2- إتمام الصلاة بمنى

    روى البخاري (عند عبد الله بن مسعود قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر رضي الله عنه ركعتين ومع عمر رضي الله عنه ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق فيا ليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان)
    وعند أبي داود (أن عبد الله صلى أربعا" ،قال فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعا " قال الخلاف شر)
    المحاسبة تمت بانتقاد فعل الخليفة وبيان انه خالف السنة أمام الناس مع عدم حضور الخليفة .



    3- كنز الذهب والفضة
    عن زيد بن وهب قال مررت بالربذه فإذا انا بابي ذر رضي الله عنه فقلت له ما أنزلك منزلك هذا قال كنت بالشام فاختلفت انا ومعاوية في (الذين
    يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله )  قال معاوية نزلت في أهل الكتاب فقلت نزلت فينا وفيهم فكان بيني وبينه في ذاك وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني فكتب إلى عثمان أن اقدم المدينة فقدمتها)1.
    في هذا الأثر تم محاسبة أحد معاوني الخليفة على رأي شرعي وبيان عدم صوابه
    زمن علي رضي الله عنه
    -        حرق المرتدين

    عن عكرمة أن عليا" رضي الله عنه حرق قوما " فبلغ ابن عباس فقال :لو كنت انا لم احرقهم لان النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا تعذبوا بعذاب الله ) ولقلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه)2.
    هنا تم انتقاد فعل الخليفة وبيان سبب الانتقاد انه يوجد نص ينهي عن الحرق.

    النص الشرعي هو مقياس المحاسبة
    أن اعتبار الكتاب والسنة مقياس المحاسبة يجعل الشريعة الإسلامية هي الحاكمة وهو الطريق الوحيد للحمة الأمة وجعلهما الفاصلين بين المختلفين يقول ابن حزم (ولما وصفناه من انه إذا لم يكن إجماع فلا بد من الخلاف ضرورة لانهما متنافيتان إذا ارتفع أحدهما وقع الآخر ولا بد وإذا كان كذلك فالمرجوع  إليه هو ما افترض الله عز وجل علينا الرجوع إليه من القران والسنة لقوله عز وجل (فان تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول إن كنتم تؤمنؤن بالله واليوم الآخر) وقال سبحانه وتعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1+2 رواهما البخاري


    وقال  عز وجل (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما انزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) فصح انه لا يحل التحاكم عند الاختلاف إلا إلى القران والسنة ). فمقياس المحاسبة لكل ما يصدر من الخليفة وأعوانه  هو الكتاب والسنة وليس ما تبناه الخليفة من أحكام شرعية سواء كانت دستورا "أم قانونا للدولة وقد يقول قائل أن دستور دولة الخلافة وقوانينها أحكام شرعية ومصدرها جميعا "الكتاب والسنة فإذا جعلت مقياس المحاسبة فان هذا يعني أن الكتاب والسنة هما مقياس المحاسبة والجواب أن الدستور وقوانين الدولة هي ما تبناه الخليفة من أحكام شرعية بحسب فهمه أو فهم علماء الأمة للشريعة وربما يكون الفهم غير سليم أو الاستنباط غير دقيق أو الدليل غير صحيح فمقياس  محاسبة الخليفة على ذلك هو الكتاب والسنة ليس غير فالدستور وقوانين الدولة تحاسب ذاتها بالكتاب والسنة فهي تحاسب وتنتقد بمعيار النص الشرعي.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    1- النبذة الكافية

    وسائل المحاسبة في دولة الخلافة

    1- مجلس الأمة

    نلاحظ من مواد مقدمة الدستور أن مجلس الأمة وسيلة فعالة من وسائل المحاسبة حيث أن رأيه ملزم في الأمور العلمية ومما لا يحتاج إلى بحث وامعان نظر وإظهار عدم الرضى من المعاونين للخليفة والولاة وحصر المرشحين لمنصب الخلافة والإلزامية في قرارات المجلس أضافت إلى المجلس التأثير في المحاسبة .

    2- الأحزاب السياسية

    تعتبر الأحزاب السياسية في دولة الخلافة حلقات اتصال بين الدولة والامة ويتحقق ذلك عن طريق الحوار بين الأحزاب والخليفة ومعاونيه لمناقشة سياسات الدولة وانتقادها وعرض المشاكل التي تعاني منها الأمة أو أفراد الرعية والمشاركة في البحث عن حل لها وامر الخليفة  وأعوانه بالمعروف ونهيهم عن المنكر جماعيا" وفعل كل ما ذكر جماعيا "يعطيه تأثيرا" اكبر بكثير منه فرديا" كما أن الأحزاب في دولة الخلافة تقوم بترشيح أشخاص إلى منصب الخلافة كون الأحزاب تعتبر رحم خصب لإنجاب القادة من جراء خبرتها في العمل السياسي كما أن الأحزاب تعتبر جهاز مراقبة لتصرفات الخليفة وأعوانه عدا أنها تقوم بتقديم البدائل للسياسات الخاطئة التي ينتهجها الخليفة وأعوانه .

    3- وسائل الإعلام والنشر

    إن المحاسبة التي تكلمنا عنها فيما سبق تكون بالكتابة أو الصوت أو الصورة ثم نسخه وتوزيعه وبثه إلى الرعية فالصحافة والنشر والإذاعة ومحطات التلفزة الفضائية منها والأرضية تتم بواسطتها المحاسبة ضمن ضوابط الشرع وهي من أهم وسائل المحاسبة بعد الأحزاب السياسية في دولة الخلافة لان محاسبتها تصل إلى معظم الرعية والى الخليفة ومعاونيه بشكل مباشر فاتساع انتشارها والمباشرة في إيصال كلمتها أعطاها التأثير المباشر في المحاسبة.
    وقد مارس المسلمون في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين جميع وسائل الإعلام والنشر التي كانت قبل الإسلام بضوابط الشرع فالقصيدة الشعرية والخطابة والمناداة في الأسواق مارسها أهل الجاهلية ولما جاء الإسلام مارسها المسلمون بضوابط الشرع الحنيف وزادوا عليه وسائل أخرى مثل ( القصص والرسائل)1

    4- محكمة المظالم

    تعتبر محكمة المظالم بالنظر إلى مواد مقدمة الدستور(2)  وسيلة فعالة للمحاسبة في دولة الخلافة لأنها تمتلك إلزامية تنفيذ أحكامها وحقها بإصدار الأحكام من غير دعاوى وما يزيد من فعالية محكمة المظالم استقبالها للدعاوى على الخليفة وأعوانه سواء تعلقت الدعوى بأشخاصهم أم بمخالفتهم لاحكام الشرع أو ما تبناه الخليفة من أحكام شرعية لذا اعتبرت محكمة الظالم ذات فعالية في


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- راجع الأعلام في صدر الإسلام د. حمزة عبد اللطيف
    2- .مادة :81،82.  




    المحاسبة لكلا الأمرين الأول أنها تحاسب بذاتها والثاني استقبالها لجزء من محاسبة الأمة وهو الدعاوى القضائية وحكمها فيها .

    ضوابط المحاسبة

    1- السمع والطاعة للخليفة

    قبل بيان فرضية السمع والطاعة للخليفة الذي يحكم بكتاب الله "وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أود أن أوضح أن السمع والطاعة للخليفة لا يعني بأي حال من الأحوال الصمت على ممارسات الخليفة بل يعني انه أثناء ممارسة المحاسبة عدم ارتكاب المخالفات التي تستحق العقوبة ضمن ما تبناه الخليفة من أحكام شرعية ما لم يأمر بمعصية أو يظهر الكفر البواح فعندها فلا سمع ولا طاعة.

    يقول الله تعالى (يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله أطيعوا الرسول أولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما احب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)1  وعن يحي بن حصين عن جدته قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن أمر عليكم عبد مجدع (حسبتها قال اسود) يقودكم بكتاب الله فاسمعوا أطيعوا )2 .
    ومن الجدير بالذكر أن الخليفة مقيد بما تبناه من أحكام شرعية فهو يتبنى الأحكام وينفذها ويلتزم بها كباقي الرعية ولا يجوز له مخالفتها.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- رواه الشيخان.
    2- رواه مسلم.
    2-عدم استخدام الوسائل المادية .

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من حمل علينا السلاح فليس منا )1
    أن الشرع أوجب على الأمة أن تكون وسائلها سلمية عند محاسبة الخليفة وأعوانه إلا في حالة واحده وهي ظهور الكفر البواح فعن عبادة بن الصامت قال (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه ،فكان فيما اخذ علينا إن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا أثره علينا وان لا ننازع الأمرأهله إلا أن تروا كفرا "بواحا " عندكم من الله فيه
    برهان)2  الحديث الأول يحرم استخدام الوسائل المادية في المحاسبة بشكل مطلق وفي الحديث الثاني يقيد استخدامها بظهور الكفر البواح .

    حكم تأسيس أحزاب سياسية في دولة الخلافة

    (للمسلمين الحق في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام أو الوصول إلى الحكم عن طريق الأمة على شرط أن تكون أساسها العقيدة الإسلامية وان تكون الأحكام التي تتبناها أحكاما " شرعية  ولا يحتاج إنشاء الحزب لأي ترخيص ويمنع أي تكتل يقوم على غير أساس الإسلام )*

    إن تأسيس أحزاب سياسية في دولة الخلافة جائز شرعا" بدليل أن الرسول انشا حزبا "سياسيا " أثناء سيرته بمكة وهناك عدد من الأحاديث الصحيحة تبين ذلك بوضوح منها .

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- رواه الشيخان .
    2- رواه مسلم .
    * المادة 21 في مقدمة الدستور

    عن خباب بن الارت رضي الله عنه (قال :أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل الكعبة متوسدا " بردة له ،فقلنا يا رسول الله ،ادع الله تبارك وتعالى لنا واستنصره................ ليتمن الله تبارك وتعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)1.

    ويروي عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن إسلام عمر رضي الله عنه (.....فما برح يقاتلهم ويقاتلونهم حتى قامت الشمس على رؤوسهم قال وطلع وقعد وقاموا على رأسه وهو يقول افعلوا ما بدا لكم فاحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا )2 .

    وما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ( ما زلنا أعزة منذ اسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ).

    وما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ( .......فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا "......ولا نعصيه في معروف ).

    وروى النسائي ( أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا " له أتوا النبي بمكة فقالوا يا رسول الله انا كنا في عز ونحن مشركون فلما أمنا صرنا أذلة فقال (اني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا)3.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- رواه البخاري
    2- صحح إسناده الشيخ إبراهيم العلي في كتابه صحيح السيرة النبوية \81.
    3- قال الشيخ الألباني صحيح الإسناد .

    وعن ابن عباس قال (مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وشكوه إلى أبى طالب فقال يا ابن أخي ما تريد من قومك ؟ قال : أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية)1.

    وما رواه خباب قال ( جاء الأقرع حابس التميمي وعيينة بن حصن الفرازي فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا"
    في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم فأتوا به فخلوا به وقالوا :انا نريد أن نجعل لنا منك مجلسا "
    تعرف به العرب فضلنا فان وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب على هذه الاعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال :نعم قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا " قال فدعا بصحيفة ودعا عليا" رضي الله عنه ليكتب ونحن قعود من ناحية فنزل جبريل عليه السلام فقال : (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه )2.

    نلاحظ مما سبق أن هناك جماعة ويدل على ذلك قول خباب (ادع الله تبارك وتعالى لنا واستنصره ) انه يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعوا للجماعة وان أفراد الجماعة حالهم واحد يحتاجون للدعاء والاستنصار .

    وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لو كنا ثلاثمائة رجل ) يدل على جماعة يتمنى عمر رضي الله عنه أن يصل عدد الرجال فيهم إلى ثلاثمائة وقول ابن مسعود رضي الله عنه ( ما زلنا أعزة منذ اسلم عمر ) أي إن إسلام عمر اعز الجماعة بوصفها جماعة وليس أفرادا " دون آخرين وقول الرسول


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- أخرجه الترمذي وقال حديث حسن
    2- صحيح ابن ماجه- الشيخ الألباني.

    صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف (اني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا ) أي أن الأمر يسري على الجماعة وليس على رسول الله وحده وان الأمر بعدم القتال يشمل الجماعة كلها .

    وسبب نزول أية (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) فالآية تطلب من الرسول عدم طردهم من مجلسه وليس من الدين وفي ذلك محافظة على بقائهم في الجماعة وتطلب منه ترسيخ علاقة من آمن به وفي ذلك معنى الجماعة .

    كما أن الأحاديث السابقة تبين أن للجماعة أميرا هو الرسول صلى الله عليه وسلم ويظهر ذلك في قول عبادة بن الصامت ( ولا نعصيه في معروف ) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (فلا تقاتلوا)

    كما يظهر للجماعة هدف سياسي وهو أن يحكم هذا الدين العرب والعجم ويظهر ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم (ليتمن الله هذا الأمر ) وتزداد شدة الوضوح في هذا الهدف السياسي بقوله صلى الله عليه وسلم (أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية )

    وبما أن الرسول صلى الله عليه وسلم انشا حزبا "سياسيا" فان فعله هذا يكفي للدلالة على جواز إقامة أحزاب سياسية في دولة الخلافة فان قال قائل إن الرسول صلى الله عليه وسلم انشا حزبا "سياسيا" في دار الكفر ولم ينشئ حزبا " سياسيا " في دار الإسلام ثم جاء الخلفاء الراشدون فلم تقم الصحابة حزبا "سياسيا" في زمنهم فالأدلة التي تم سياقتها خارج البحث والجواب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام حزبا "سياسيا " وفعله هذا عام ولم يأت دليل يخصصه في فترة وعلى ذلك يبقى على عمومه حتى يأتي التخصيص ولا تخصيص والله اعلم .

    وما يدل أيضا " على جواز إقامة أحزاب سياسية في دولة الخلافة مفهوم حديث (لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا امروا عليهم أحدهم )1.

    وما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا خرج ثلاثة نفر في سفر فليؤمروا أحدهم )2 ومفهوم الحديثين انه يجوز إقامة جماعة لها أمير في اكثر من ثلاثة فإذا كان الاجتماع لثلاثة في عمل غير دائم وهو السفر أوجب إيجاد أمير فان اجتماع اكثر من ثلاثة في عمل دائم من باب أولى وعلى ذلك فان مفهوم الحديثين يدل انه يجوز إنشاء أحزاب سياسية في دولة الخلافة .

    يقول ابن تيمية معلقا على حديث الإمام احمد ( فقد أوجب صلى الله عليه وسلم تامير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر منبها "بذلك على سائر أنواع الاجتماع ) 3.

    ويقول الشوكاني (وفيها دليل على انه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا "
    أن يؤمروا عليهم أحدهم لان في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف فمع عدم التامير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة وإذا كان هذا لثلاثة يكونون في فلاة في الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد اكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع المظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى )4

    ويقول ابن تيمية كلاما " يفهم منه إباحة إقامة أحزاب في دولة الخلافة (أما راس الحزب فانه راس الطائفة التي تتحزب أي يصير حزبا " فان كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون،
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1-رواه الإمام احمد وقال الشيخ احمد شاكر إسناده صحيح
    2- بسند حسن
    3- السياسة الشرعية \161.
    4- نيل الاوطار 8\265
    لهم مالهم وعليهم ما عليهم وان كانوا قد زادوا في ذلك أو نقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله فان الله ورسوله أمرا بالجماعة والإتلاف ونهيا عن التفرق والاختلاف وامرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان )1 .

    أما مناقشة من قالوا بحرمة إقامة أحزاب سياسية في دولة الخلافة فان الدكتور صلاح الصاوي في كتابيه ( التعددية السياسية في الدولة الإسلامية ) و(مدى شرعية الانتماء) والدكتور احمد العوضي في كتابه (المعارضة السياسية في الإسلام ) قد ناقشا هذا الرأي مع ما رافقه من كتاب وسنة نبوية وليس عندنا ما نزيد على ما قالوا فليرجع إليهما لمن أراد أن يقرا مناقشة ذلك الرأي ولكن لا بد من القول أن ما استدل به المانعون لاقامة أحزاب سياسية ليس في موضع البحث لان البحث هو الحكم في مجرد التنظيم وليس في ممارسات التنظيم فان أي حزب سياسي يقوم بممارسات تخالف الحكم الشرعي فان قانون العقوبات في دولة الخلافة سيأخذ مجراه والدولة كفيلة بإيقاع العقوبة على كل من خالف الحكم الشرعي سواء كان حزبا "أم قبيلة أم شركة  أم فردا".

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- مجموعة الرسائل والمسائل 1\152- 153


    مشروع قانون الاحزاب في دولة الخلافة

    تعريف الحزب السياسي في دولة الخلافة

    المادة   1- الحزب السياسي هو تنظيم دائم من المسلمين يستهدف العمل السياسي بإذن من الشارع.

    إذن الشارع : فالأذن يكون قبل الفعل وهو إجازة الشارع للإتيان بالفعل وقلنا إذن الشارع كون الشارع لا يجيز للمسلمين بالتنظيم الدائم على الإطلاق حيث حرم عليهم القيام بتنظيم دائم على غير أساس الإسلام كفصل الدين عن الحياة أو أساس قومي أو أي أساس غير الإسلام .

    للمسلمين :لان أهل الذمة لا يجوز لهم إنشاء أحزاب سياسية وسيأتي شرح ذلك في شروط العضوية للأحزاب.

    التنظيم الدائم : للدلالة على استمرار التنظيم وعدم توقف عمره على المدى العمري للمؤسسين له ليخرج من التعريف التنظيم المؤقت لانه تجمع أو اجتماع وليس حزبا "سياسيا" لاستهداف العمل السياسي : العمل السياسي جاء في التعريف عاما " ليخرج استهداف بعض الأعمال السياسية والاقتصار عليها كما أن استهداف العمل السياسي يشمل محاولة الأحزاب وصول مرشحها إلى منصب الخليفة وليخرج من التعريف استهداف العمل الثقافي وغيره من قبل تنظيمات دائمة.

    شروط تأسيس الحزب


    المادة 2- :يجب أن تكون أهداف الحزب وبرامجه وأساليبه قائمة على أساس الإسلام .

    ومعنى أن يكون الإسلام هو أساس أهداف الحزب وبرامجه وأساليبه
    أولا : أن تكون الاخوة الإسلامية هي الرابط الأساسي بين أعضاء التنظيم لان جعل غير الاخوة الإسلامية الرابط بين أعضاء الحزب من الأمور العصبية التي حرم الإسلام الدعوة إليها  أو الانضمام تحت لوائها ،يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعوا إلى عصبية أو بنصر عصبية فقتل فقتلته جاهلية )1
    وجعل الرابط لأعضاء الحزب على أساس اللغة أم القبيلة أم الإقليم وغيرها هو من الدعوى إلى العصبية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انا آمركم بخمس امرني ربي بهن : الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فان من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو في جثاء جهنم وان صام وزعم انه مسلم فادعوا بدعوى الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله )2.

    إن الاخوة الإسلامية هي نعمة عظيمة امتن الله بها على المسلمين قال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا" ولا تفرقو واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء " فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا " وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون )فالإسلام آخى بين المسلمين
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- رواه مسلم .
    2- صحيح الجامع الصغير .

    ووحدهم فالاخوة الإسلامية تحالف متكامل لجميع المسلمين توجب التناصر إذا تم الاعتداء عليهم أو على بعضهم وان استبدال الاخوة الإسلامية بغيرها هو استبدال العقد الذي عقده الله ورسوله بين المؤمنين بعقد آخر وهذا الاستبدال هو من أمر الجاهلية الذي حرمه الله عز وجل يقول الله تعالى (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم )1.

    ثانيا : عدم تعارض أهداف الحزب وبرامجه وأساليبه مع الإسلام ومعنى عدم تعارض الحزب مع الإسلام أن لا تحتوي أهدافه وبرامجه وأساليبه على ما يلي:

    أـــ مخالفة نص قطعي الدلالة

    ب ــ إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة

          فالنقطة (أ) لقول الله عز وجل (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا " أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ).

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1ــ رواه أبو داود قال الألباني حسن صحيح .


    والنقطة (ب)

    الإنكار :عدم الاعتراف وانتفاء الإقرار .
    حكم معلوم : أي ظاهرا "متوترا " عند الجميع من غير تأمل .
    من الدين :فلا تدخل فيه أحكام العلوم وما ليس من الإسلام .
    بالضرورة : مالا يقع شك فيه أو شبهة 1 .

    مثل إنكار وجود الله أو نفي الرسل أو تكذيب أحد منهم أو فصل الدين عن الحياة  أو تحليل محرم بالإجماع كالزنا أو شرب الخمر أو تحريم حلالا " بالإجماع مثل الملكية الشخصية أو النكاح أو البيع أو نفي ما اجمع عليه مثل نفي تحكيم شرع الله في الحياة أو نفي صوم رمضان أو اعتقاد ما ليس بواجب مثل وجوب زيادة ركعة في الصلوات المفروضة .

    ومن الأمثلة على نصوص قطعية الدلالة ولكنها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة مثل رجم الزاني وعدم خلو الرجل بامراه لا تحل له إلا ومعها محرم ووجوب نصب خليفة واحد للامة وعدم بيع النقود الذهبية إلا سواء بسواء,وعذاب القبر.

    وعلى هذا يكون معنى قيام الحزب على أساس الإسلام هو اجتماع النقطتين وهما:

    1ــ جعل الاخوة الإسلامية الرابط الأساسي بين أعضاء الحزب .
    2ــ عدم تعارضه مع الإسلام.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1- نوا قض الإسلام القولية والعملية \242 د. عبد العزيز العبد اللطيف

    ويكفي تحقيق نقطة واحدة ليعتبر الحزب قائم على غير أساس الإسلام واكرر القول انه يشترط اجتماع النقطتين معا ليعتبر الحزب قائما على أساس الإسلام.

    المادة (3) يجب أن تخلو أهداف الحزب وبرامجه وأساليبه من المخالفات التي يستحق من قام بها العقوبة ضمن ما تبناه الخليفة من أحكام شرعية.
          لان احتواء الحزب على ما يستحق العقوبة هو إعلان بعدم طاعة الخليفة فطاعة الخليفة بالمعروف واجبة يقول الله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول )) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما احب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )1 فالشرط هو خلو الحزب من ما يستحق العقوبة وليس موافقته رأي الخليفة في أن هذا الأمر يستحق العقوبة أم لا فالحزب من حقه مخالفة رأي الخليفة فيما تبناه من أحكام شرعية وينتقدها على أساس النص الشرعي.

    المادة 4ــ يجب أن تكون وسائل الحزب سلمية
    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من حمل علينا السلاح فليس منا )*
    الحديث منع استخدام الوسائل المادية في محاسبة الخليفة أو التغيير عليه بشكل مطلق لان السلاح اسم جنس محلى بالألف واللام فيشمل كل سلاح إلا انه تم استثناء حالة واحدة لاستخدام السلاح في وجه الخليفة وهي حالة الكفر البواح الخالص الذي لا شبه فيه ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( وان لا تنازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان )) مفهوم الحديث

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1ـ رواه الشيخان .


    انه بغير هذه الحالة لا يجوز استخدام السلاح للتغيير على الخليفة وأعوانه ، أما التخريب والتدمير للممتلكات العامة فحرمة ذلك آتية من حرمة حمل السلاح على المسلمين . والممتلكات العامة هي ملك لجميع الرعية أما تدمير وتخريب الممتلكات الخاصة فهو حرام لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ).

    المادة 5: يشترط أن يكون الحزب علنيا في أهدافه وبرامجه وقيادته .
             إن الشرع له أحكام وضوابط للعمل الحزبي والسياسي فلا بد من علانية الأهداف والبرامج لكي يتم التأكد أنها غير متعارضة مع الشرع ، فالخليفة مسؤول عن حفظ الإسلام من أي زيادة أو نقصان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من احدث في امرنا ما ليس فيه فهو رد)1 فعلى الخليفة أن يطمئن أن الحزب لم يحدث في الدين ما ليس منه فإذا وجد الخليفة ذلك وجب عليه أن يبين لهم الحجج ويزيل الشبه التي لديهم ليبقى الإسلام واحكامه محفوظة من أي تحريف أو زيادة أو نقصان أما جعل القيادة علنية لان أمير الحزب هو المسؤول عن كل ما يصدر باسم الحزب فلا بد من معرفته ليتحمل مسؤولية عن حقوق الله والناس.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1ـ صحيح أبى داود ــ الشيخ الألباني .



    شروط العضوية في الأحزاب السياسية

    المادة 6 ــ يشترط في المنتمي للأحزاب السياسية ما يلي :

    أــ أن كون مسلما                        ب ــ أن يكون عاقلا
    ج ــ أن يكون في عنقه بيعة للخليفة .

    أن يكون مسلما لان الحزب السياسي يستهدف العمل السياسي عامة دون تخصيص فهو يقوم بانتقاد الأحكام الشرعية التي تبناها الخليفة وأعوانه بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقوم اعوجاجهم إذا انحرفوا عن الشرع ويشهر السلاح في وجه الخليفة إذا ظهر الكفر البواح وغيرها من الأعمال السياسية فهو يستهدف العمل السياسي عامة وهذا يحتم أن يكون الأعضاء من المسلمين لان طبيعة الأحزاب السياسية واعمالها فرضت ذلك أما أهل الذمة فان ممارستهم للعمل السياسي مخصص بالأمور التالية :

    أ ــ عرض مشاكلهم العامة والخاصة :
         مثل هضم حقوقهم أو أفراد منهم أو إساءة تطبيق أحكام الإسلام عليهم والعمل على ترشيح أعضاء منهم إلى مجلس الأمة لينوبوا عنهم .

    ب ــ عرض أراءهم وانتقادهم في الأمور الفنية والإدارية مثل الصناعة والزراعة وأساليب التجارة والتعليم و إدارة مصالح الدولة بأنواعها .
           لذا لا يحق لهم عرض انتقادهم للأحكام الشرعية التي تبناها الخليفة أو الأعمال السياسية التي توصل أشخاص يرشحونهم لمنصب الخلافة أو منابذة الخليفة بالسيف إذا اظهر الكفر البواح لذلك جاء شرط أن يكون العضو في الأحزاب السياسية مسلما .

    إما أن يكون عاقلا : لان العقل مناط التكليف فالمجنون لا يحاسب على فعله لانه غير مؤاخذ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( رفع القلم عن ثلاثة .......... وعن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق )1 ومفهوم ذلك انه لا يصح أن يحاسب غيره كونه لا يحاسب على فعله .

    إما أن يكون في عنقه بيعة للخليفة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فانه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية  وقال ( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات  مات ميتة جاهلية )2  ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (فان من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه )3 .
    ومعنى الجماعة في الحديثين هو الاجتماع على الخليفة الذي بويع بيعة شرعية فالرسول صلى الله عليه وسلم حرم مفارقة الإجتماعة على الخليفة وقوله صلى الله عليه وسلم ( وفارق الجماعة ) يدل إن مجرد المفارقة حرام سواء كانت بسلاح أم بغير سلاح وعلى ذلك فان إنشاء تنظيم دائم يستهدف العمل السياسي في دولة الخلافة لا يقر أعضاءه بالبيعة للخليفة هو مفارقة للاجتماع على الخليفة وخروج من طاعته وهذا محرم دلت عليه النصوص الشرعية السابقة.




    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1ـ رواه الترمذي وحسنه .
    2ـ رواه الشيخان .
    3ـ رواه الشيخان .

    المادة 7ــ أمير الحزب هو الذي يتحمل المسؤولية عن كل ما يصدر باسم الحزب
    المسؤولية 1 :يقصد بها التبعية أي كون الإنسان مؤاخذا على ما يصدر منه ) لانه يقوم برعاية شؤون الحزب وصاحب الولاية عليه فلا بد أن يكون عليه ما صدر باسم الحزب سواء ما كان عليه حقا لله أم حقا لأفراد الناس .


    المادة 8ــ يشترط في أمير الحزب ما يلي :

    1ــ ما يشترط في الأعضاء .
    2ــ أن يكون بالغا .
    3ــ أن يحمل التابعية لدولة الخلافة .
    4ــ أن يكون مكان إقامته في العادة دولة الخلافة .

         أما أن يكون بالغا لان الصبي تحت سن البلوغ عاجز عن توليه شؤون نفسه فيرتب الشرع من يتولاه ويرعى شؤونه فكيف سيلي أمور الحزب وأعضاء الحزب والصبي لا يعتبر مكلفا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاث ................وعن الصبي حتى يحتلم )2 .

          أما أن يحمل التابعية لدولة الخلافة ويكون مكان إقامته في العادة دولة الخلافة وذلك لمحاسبته عما يصدر باسم الحزب وتحصيل حقوق الله والناس
    من الحزب إذا اسحقت عليه وولاية دولة الخلافة تكون على من يستوطنون
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1ـ المسؤولية بوجه عام : حال أو صفه من يسال عن أمر يقع عليه تبعته ــ المعجم الوسيط ــ مادة سال .
    2ـ رواه الترمذي وحسنه .    
    أرضها فلا بد أن يكون أمير الحزب من رعاياها ويكون مكان إقامته في العادة دولة الخلافة حتى يشمله تطبيق الأحكام الشرعية .


    المادة 9ــ أموال الحزب هي أموال خاصة

             لان إنفاق الحزب على نشاطاته تدل أن أمواله أموال خاصة وليست وقفا على الدعوة في سبيل الله لأنها لو كانت موقوفة على الدعوة في سبيل الله لحبست منفعتها عليها فقط ونشاطات الحزب من حيث حرية التصرف بالأموال واستثمارها يخالف واقع الوقف ويتضح ذلك بالإنفاق على مصالح الحزب الخاصة مثل ترشيح أعضاءه لمجلس الأمة والإنفاق على حملاتهم الانتخابية واقامة المهرجانات وتغطية أجور المحاماة إذا وقف الحزب أمام القضاء وغيرها من المصالح الخاصة لذا فان أموال الحزب عليها الزكاة والخراج وكل ما يفرض على الأموال الخاصة .

    المادة 10ــ لا يجوز حل الحزب إلا في حالتين

        أ ــ إذا أصبحت أهدافه أو برامجه أو أساليبه على غير أساس الإسلام
       ب ــ إذا اصبح استخدام الوسائل المادية منهجا له

             أما الحالة الأولى فلأنه يصبح وجوده بوصفه حزبا منكرا يجب إزالته أي يصبح مجرد التنظيم على الأهداف أو البرامج أو الوسائل محرما وليس خللا إضافيا لا علاقة له بأصل التنظيم لذلك أوجب الحكم الشرعي حل الحزب وإنهاء الاجتماع والتنظيم على المحرم .

    أما الحالة الثانية فانه خروج على الإمام بشكل دائم فاصبح استمرار التنظيم محرما أما إذا استعمل السلاح في حالات طارئة فانه لا يحل مادام استخدام السلاح ليس منهجا له لان استخدام السلاح في الحالات النادرة أو الطارئة أصاب الحزب بخلل وبقي اصل التنظيم سليما وعند استخدام السلاح أو الوسائل المادية فان الدولة كفيلة بإيقاع العقوبة على من قام بالفعل أو ساهم بقيامه . أما إذا اصبح الحزب سريا فلا يحكم بحله لان مجرد التنظيم على أساس الإسلام لم يصبه بالخلل ولكن الحزب يفقد حقه بالاستثمار أو المقاضاة لانه اصبح مجهولا ومعاملات المجهول التجارية والقضائية غير جائزة في الشرع.

    المادة 11 ــ القضاء وحده هو المختص بقرار حل الحزب
         لان قرار حل الحزب عقوبة لأعضاء الحزب وإيقاع العقوبة سواء بأفراد الرعية أم بجماعة منهم يحتاج إلى قاض كما أن قرار حل الحزب من الأمور العظيمة الخطر توجب الاحتياط في إثباتها فلا بد أن ترفع إلى القاضي لينظر في واقع الحزب وان الأحكام المتعلقة بحل الحزب منطبقة عليه أم لا ، أما دائرة الأمن الداخلي فلا يحق لها حل الأحزاب بقرار من مدير الدائرة لان هذا ليس من اختصاصها لان مهمتها تولي إدارة كل ما له مساس بالأمن فعملها إداري وليس قضائي .
    المادة 12 ــ يقدم الحزب أخطارا بتأسيسه إلى دائرة الأمن الداخلي مرفقا به النظام الداخلي للحزب متضمنا :

    1ــ  اسم أمير الحزب وعنوانه
    2 ــ الأهداف التي يدعو إليها والبرامج التي يقوم عليها والوسائل التي يستخدمها
    3 ــ شروط العضوية في الحزب
    4 ــ الإقرار بأنه ملتزم بقانون الأحزاب في دولة الخلافة

    أما اسم أمير الحزب وعنوانه كونه يتحمل المسؤولية عن كل ما يصدر باسم الحزب وللاتصال به عند الحاجة ولمحاسبته إذا كان عليه حق لله أو للناس
        أما الأهداف والبرامج والوسائل وشروط العضوية فلاجل الاطمئنان أنها لا تخالف ما تبناه الخليفة من أحكام شرعية تنظم إقامة الأحزاب في دولة الخلافة وأنها لم تحدث من الدين ما ليس منه لقوله صلى الله عليه وسلم ( من احدث في امرنا ما ليس فيه فهو رد)

    أما الإقرار بالتزامه بقانون الأحزاب
      كون قانون الأحزاب في دولة الخلافة هو أحكام شرعية تبناها الخليفة يجب طاعتها والأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي وإنشاء حزب فعلا فلا بد من معرفة هذه الأحكام قبل إنشاء الحزب.

    المادة 13 ــ محكمة المظالم هي المختصة في البت في دعوى الحزب أن حكم القضاء بحله قد خالف الواقع .

    (لا توجد محاكم استئناف ولا محاكم تمييز من حيث البت في القضية درجة واحدة فإذا نطق القاضي بالحكم فحكمه نافذ ولا ينقضه حكم قاض أخر مطلقا إلا إذا حكم بغير الإسلام أو خالف نصا قطعيا في الكتاب أو السنة أو إجماع الصحابة أو تبين انه حكم حكما مخالفا للواقع )* .








    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    * المادة 74 من مقدمة الدستور.

    نقد لمشروع قانون الأحزاب في دولة الخلافة


    في هذا المشروع عدة من الثغرات منها
      1 ــ  إن المشروع يسمح لاهل البدع بتأسيس حزب سياسي علني يدعو لبدعه ويعمل لإيصال مرشحه لمنصب الخليفة واهل البدع يجب أن يهجروا ويظهر البغض لهم وليس أن يمكنوا من العمل السياسي أو التأثير على من يصل إلى الحكم ،يقول الله تعالى (( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم )) ويقول الغزالي في الأحياء ( طرق السلف اختلفت على إظهار البغض مع أهل المعاصي وكلهم اتفقوا على إظهار البغض للظلمة والمبتدعة وكل من عصى معصية متعدية إلى غيره ) ، ويقول الشوكاني ( من عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها علم أن مجالسة أهل البدع المظلة فيها من المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصي الله بفعل شيء من المحرمات ولا سيما من كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة فانه ربما ينفق عليهم من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه ) فتح التقدير 2ـ 22 .

    فهؤلاء يجب أن يهجروا ويظهر البغض لهم لا أن يمارسوا المحاسبة ويستخدموا أدواتها من مجلس الأمة أو دعاوى قضائية أو وسائل إعلام كما أن السماح لهم بإيصال مرشح إلى منصب الخلافة قد يكون كارثة على الأمة الإسلامية وما فعل المأمون عنا بغائب

    3 ــ  أن مشروع القانون لم يشترط العدالة والبلوغ في عضوية الأحزاب السياسية وعلى هذا فان مشروع القانون يسمح للفساق والصبيان بممارسة العمل السياسي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاولة إيصال مرشح منصب الخلافة فكيف يمكََََََن الفساق والصبيان من عمل عظيم وخطير كهذا

    4 ــ السماح للمرأة أن تكون أميرا للحزب حيث لم يشترط مشروع القانون الذكورة في منصب إمارة الحزب ومن البديهي أن من معاني الإمارة والولاية والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( لن يفلح قوم ولوا مرهم امرأة )
    فإمارة الحزب هي ولاية على شؤون الحزب وأعضاؤه والنص واضح يمنع الولاية لها .

    5 ــ عدم العلانية في أعضاء الحزب وماليته ومعنى ذلك هو السماح لأحزاب سرية في دولة الخلافة وتاريخ الأمة الإسلامية مع الحركات السرية مليء بالمصائب والنكبات .

    6 ــ الصياغة القانونية الحق أنها ليست سيئة ولا ركيكة ولكنها ليست أيضا بمستوى مشروع قانون للأحزاب في دولة الخلافة .


    نقد في وجهة نظر أخرى

    إن مشروع القانون يشتم منه رائحة الخوف غير المبرر على الدولة والإسلام كما أن فيه قيودا غير شرعية لا داعي لوجودها كما انه يحرم بعض أفراد الرعية من تأسيس الأحزاب وإقصائهم من غير دليل شرعي ومن الأمثلة على ذلك :

    1 ــ اشتراط العلانية لاهداف الحزب وبرامجه وأساليبه فبهذا القيد لا سند شرعي عليه وما استدل به على القيد ليس في مكانه فقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) فالنص يقول (من احدث) وليس أن يجبر الحزب على إعلان أهدافه وبرامجه ثم يقال له هل أحدثت في أمر هذا الدين أم لم تحدث ، كما أن الإسلام لا يحاسب الناس على ما في قلوبهم ونواياهم ، نحن لنا الظاهر والله يتولى السرائر فإذا اظهر الحزب شيئا فيه إثم حاسبته الدولة أما أن نقول للناس أعلنوا لنا أهدافكم وبرامجكم ثم نحاسبهم على ذلك فالقيد غير شرعي ولا داعي لوجوده في مشروع القانون .

    2 ــ مشروع القانون حرم أهل الذمة من إنشاء أحزاب سياسية والانخراط فيها وهم أصحاب التابعية لدولة الخلافة ويتأثرون مباشرة بكل ما يحدث فيها وسمح القانون للمسلم الذي يبعد آلاف الكيلو مترات ولا يحمل التابعية لدولة الخلافة الانخراط في الأحزاب السياسية أليس هذا ظلم لاهل الذمة وإقصاء لهم من غير دليل شرعي واضح .

    أما ما تم الاستدلال به من واقع الأحزاب واعمالها وأنها فرضت أن يكون العضو مسلما فليس دقيقا ، فالكاتب يقول إن مشروع القانون بني على مقدمة الدستور للشيخ النبهاني والمقدمة تسمح لاهل الذمة أن يكونوا أعضاء في

    مجلس الأمة ومجلس الأمة له صلاحيات لا يحق لاهل الذمة أن يمارسوها مجتمعة فيلزم من قول الكاتب منع أهل الذمة من عضوية مجلس الأمة لان واقع صلاحيات مجلس الأمة مجتمعة تفرض أن يكون العضو مسلما وعلى ما سبق لا يوجد دليل شرعي واضح يمنع أهل الذمة بإنشاء الأحزاب والانخراط فيها..

    3 ــ إن كاتب البحث طالب علم والموضوع المطروح أحجم العلماء عن بحثه لصعوبته فمشروع قانون أحزاب في دولة الخلافة مسالة صعبة حتى على العلماء فكيف بطالب علم واذكر الكاتب يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (أجراكم على الفتيا أجراكم على النار ) .

    ملاحظة :احتوى النقد أمورا إيجابية ولكن لم نذكرها كونها لم تخدم هدف البحث وهو إيجاد تصور عن واقع الأحزاب في دولة الخلافة .

    مناقشة النقد
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين

    قبل البدء في المناقشة أود أن أبين ما يلي :
    1 ــ إن الإسلام نظام حياة متكامل فلا يمكن إيجاد تصور واضح له إلا بالنظر إليه كاملا فنظام الحكم يعطي تصور عن قواعد الحكم وأجهزته وصلاحياتها وشكل الدولة ومكان السلطة فيها والنظام الاقتصادي يعطي تصور عن توزيع الثروة والملكية وكيفية التصرف فيها والنظام الاجتماعي يعطي تصور عن علاقة الرجل بالمرأة سواء كانت هذه المرأة أم أو أخت أو زوجة أو أجنبية وكذلك قانون الأحزاب                                                                 فانه يعطي تصور عن تنظيم إنشاء الأحزاب في
    دولة الخلافة فقانون الأحزاب لبنة صغيرة جدا في صرح التشريع الإسلامي العظيم ، أما ممارسات الأحزاب فإنها ترتبط بمعظم التشريع الإسلامي فمخالفات الأحزاب لها علاقة بنظام العقوبات واستثماراتها متعلقة بالنظام الاقتصادي وعملها السياسي عامة بنظام الحكم وعلى هذا فعلينا ان نفرق بين تنظيم إنشاء الأحزاب وممارسات الأحزاب أثناء عملها السياسي كما يجب ان ننظر إلى قانون الأحزاب كجزء صغير من كل عظيم

    2 ــ إن قانون الأحزاب أحكام شرعية ولا بد لكل حكم شرعي من دليل فلا قيد على تنظيم إنشاء الأحزاب إلا ما جعله الشارع قيدا ولا يملك أحد وضع القيود على أفراد الرعية  إلا بإذن من الشارع .

    3 ــ إن الأحزاب السياسية وسيلة من عدة وسائل للمحاسبة في دولة الخلافة فهنالك وسائل الإعلام ومحكمة المظالم ومجلس الأمة ، فالحياة السياسية في دولة الخلافة منظومة متكاملة جزء منها الأحزاب السياسية .

    أما بالنسبة للنقطة الأولى
         إن نظرة سريعة في مشروع القانون وقيوده الشرعية من عدم مخالفة نص قطعي الدلالة وعدم إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة عدم احتوائه على مخالفات تستحق العقوبة وفي عنق أعضاءه بيعة للخليفة تدل على عدم السماح لحزب قواعد أهدافه وبرامجه  أمور أحدثت في الدين ما ليس منه كما أن على الخليفة مسؤولية حفظ الدين من الخلل وحراسته من الانحراف والزيادة والنقصان وعلى ذلك فان مشروع القانون لا يسمح لحزب قواعد أهدافه وبرامجه أحدثت أمورا في الدين ما ليس منه .
    أما عدم اشتراط العدالة والبلوغ فان العمل السياسي حق لكل مسلم سواء كان صبيا أم غير عدل لان من قام بعمل محرم فانه يعاقب وهذا العقاب لا يحرمه العمل السياسي لان ممارسات الأحزاب وعضويتها ليس منصبا في الدولة يحتاج من سيشغله للعدالة إنما هي ممارسات ومضبوطة بالشرع ولا يوجد بالشرع والله اعلم ما يمنعه من هذه الممارسات .

    3 ــ أما السماح للمرأة أن تكون أميرا للحزب ذلك لان الحزب ليس جهازا من أجهزة الدولة التي لها تأثير مباشر على الرعية حتى يذكر ذلك الحديث عدى أن حديث بنت كسرى جاء خاصا بالحكم فالحديث يقول ( ولو أمرهم ) وألو الأمر هم الحكام ومن البديهي أن إمارة حزب ليس لها علاقة بولاية أمر المسلمين .

    أما عدم العلانية في أعضاء الحزب وماليته فان إخفاء العضو انتماؤه الحزبي حق من حقوقه ولا يجبر عليه وكذلك مالية الحزب فهي أموال خاصة فلا يجبر عن الإعلان عنها أما إذا تبين أن الحزب تلقى أموالا من جهة منعت الدولة الأخذ منها فان الدولة تعاقب المساهمين بالفعل .
    أما الصياغة القانونية أنها ليست بمستوى مشروع قانون للأحزاب في دولة الخلافة فهو كلام صحيح ولكن الصياغة القانونية مقبولة والله اعلم كونها خلت من الإبهام والغموض والعموميات التي تحدث اللبس والألفاظ الإنشائية التي ليس لها داع.
    مناقشة النقد الآخر

    بالنسبة للنقطة الأولى فان مشروع القانون لم يجبر أعضاء الحزب على إعلان ما  في نفوسهم إنما هم الذين اجتمعوا وتكتلوا على أهداف وبرامج فاصبح هذا التكتل فعالا ظاهرا وبناءا على فعلهم تم محاسبتهم لان تكتلهم على أهداف وبرامج لاستهداف العمل السياسي له قيود شرعية فعلى الخليفة أن يطمئن أن فعلهم وافق الشرع أم لا .

    أما مشاركة أهل الذمة فان قياس مجلس الشورى على الحزب قياس مع الفارق لان أعضاء مجلس الشورى وكلاء عن الرعية و أهل الذمة من الرعية فلا بد أن يكون لهم وكلاء ، أما الحزب السياسي فهو تنظيم يستهدف العمل السياسي عامة ،فإذا استهدف بعض الأعمال السياسية خرج عن كونه حزبا سياسيا فالحزب في دولة الخلافة له واقع وهذا الواقع لا يسمح الشرع لاهل الذمة القيام به وعلى هذا فهم منعوا من إقامة الأحزاب السياسية ولم يمنعوا من العمل السياسي المخصص لهم لان هذا حق من حقوقهم ولا يملك أحد أن يمنعهم إياه فممارستهم للعمل السياسي بشكل علني دليل على عدم إقصائهم فهم لم يحرموا من العمل السياسي إنما خصص عملهم السياسي بالشرع .

    أما إن الكاتب طالب علم فهذا كلام صحيح أما قوله صلى الله عليه وسلم ( أجراكم على الفتيا أجراكم على النار ) فمشروع قانون الأحزاب في دولة الخلافة مسالة شرعية واحدة فان استطاع طالب علم أن يمتلك ما لا بد منه للحكم على تنظيم إنشاء الأحزاب في دولة الخلافة من المعلومات الشرعية واللغوية جاز له الحكم على ذلك .وعلاوة على ذلك إن حديث (أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار) حديث ضعيف.1

    والحمد لله رب العالمين


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1. السلسلة الضعيفة
    [1] جاء في مقدمة الدستور المادة 20
    [2] رواه مسلم
    [3] صحيح الجامع الصغير                                                                                                                         [4] رواه مسلم
    [5] رواه البخاري
    [6] رواه الشيخان
    [7] رواه الشيخان
    [8] فتحي الدريني-
    الحق ومدى سلطة الدولة وهذا التعريف هو اقرب التعريفات إلى الصواب والله اعلم.